قصص قصيرة

العنوان خاطىء ..

بخطى مثقلة، صعدت السلالم كما لو أن هذا العالم بأكمله يستقر فوق كتفيها كل خطوة كانت تنهش من روحها جزءًا. وحين بلغت باب شقتها، وجدت صندوقًا كرتونيًا يرقد بصمت أمامها… لكنه لم يكن عاديًا كانت تعرف هذه الصناديق، تعرف مصدرها، وتخشى محتواها.

تسارعت نبضاتها، جرت نحوه ووجدت ظرفًا صغيرًا فوقه. احتضنت الصندوق وفتحت الباب بتوترٍ يكاد يفتك بها، أغلقت خلفها، وأسندت ظهرها للحائط كأنها تخشى أن تنهار واقفة. ألقت بعباءتها على الأرض، ثم جلست على ركبتيها وفتحت الظرف بأنامل مرتجفة. قرأت:

“جمعت بعضًا من أشيائك… أعدتها إليك، لعلّك تحتاجينها لاحقًا. الحياة قسمة ونصيب، ولم يُكتب لنا أن نكمل الطريق معًا”

لم تكن الرسالة مؤلمة بقدر ما كانت هادئة… وهادئة بما يكفي لتحطمها.

 

فتحت الصندوق. أخرجت منه دفتر مذكّرات بجلدٍ عتيق، قلم حبرٍ كان يحبه، صندوقًا فضيًّا بقدمِ الزمن، رقعة شطرنج، قطعةً أثرية، صدفة بحرية كبيرة…

كانت تسحب كل شيء كما لو أنها تسحب جزءًا من قلبها.

 

وحين فرغ الصندوق، بدأت تقلّبه بيديها، كأنها تنبش أعماقه بحثًا عن ما لم يُرسل. عن ما لا يمكن أن يُوضع في كرتونة. أخرجت هاتفها من حقيبتها، وبحثت عن اسمه… وبدأت تكتب:

“وصلني الصندوق، لكن هناك أشياء لم ترسلها”

 

أتاها الرد بعلامة استفهام ؟ ترددت، ثم كتبت:

تلك اللحظات التي كنا نجلس فيها قرب النافذة، نُحدّق في النجوم، وأنت تمسك يدي وتغني لي أغاني كاظم الساهر… أعدها لي ..

تلك الليالي التي كنت أعدّ ثوانيها في غيابك، أنتظر رجوعك بشوق طفلٍ للحكاية… أعدها لي .. تلك الدعوات التي كنت أخصك بها قبل أبي وأمي، بأن يحفظك الله لي… أعدها لي ..

في زاوية الشرفة، زرعت لك الريحان، وخطّطت أغصانًا على مقعدك الخشبي… أعدهم لي ..

 

في كل عيد، كنت أضع الحناء على كفّي، فقط لأنها تذكّرك بريحة أمّك، رغم كرهي لرائحتها… أعد لي تلك الأعياد … وقبل كل هذا… أعد لي العشر سنوات التي قضيتها معك، تحت سقفٍ واحد، بقلبٍ واحد ..

 

ثم أتبعتها برسالة أخرى: “كل ما أرسلته ليس لي…

هي أشياء كنتُ قد أهديتك إياها، حين كان اسمي يُكتب تحت اسمك” لم تنتظر ردًا ..

قبل أن يلتقط أنفاسه، حظرته… وأغلقت الرقم، وكأنها تغلق كتابًا انتهى ..

 

وقبل أن تضع الهاتف من يدها، ظهر رقم غريب على الشاشة. خفق قلبها مجددًا، هل اتصل من رقمٍ آخر؟ أبهذه السرعة لم

يحتمل؟!

 

أجابت بصوتٍ مرتجف: – نعم؟

– مرحبًا، معك المندوب. أنا أمام المنزل. – أي منزل؟

– منزل رقم .٦٦

 

تذكرت أنها أرسلت العنوان القديم الذي عاشت فيه عشر سنين من عمرها .. ساد الصمت… صمت ثقيل، كأن شيئًا ما انكسر بداخلها. ثم أجابته:

– أعتذر… لقد أعطيتك العنوان الخاط.ñ – عفوًا؟

– العنوان كان خاطئًا منذ البداية… ولكن لم أنتبه.

 

 

ساميا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *