Blog
كذبك حلو ..
وقفت أمام النافذة بكامل أناقتها، كأنها على موعد مع القدر، راحت تتأمل وجوه المارة، تبحث بين الوجوه عن وجه تعرفه تنتظره منذ زمن …
في كل مرة تلمح فيها طيفًا قريبًا منه، يخفق قلبها بعنف، تأخذ نفسًا عميقًا، لا تدري: أهو ارتياح لأنه لم يكن هو؟ أم خيبة أمل لأن الوقت يمرّ وهو لم يصل بعد؟
نظرت إلى ساعتها، ثم إلى هاتفها .. لا اتصال .. لا رسالة .. ولا حتى كلمة ..
هو يعرف أنها تنتظره .. ويعرف كم تحسب للقاء موعده .. عادت إلى النافذة، أنفاسها ترسم ضبابًا على الزجاج، تمسحه بأطراف أصابعها كمن تكشف الغموض عن قلبها، فترى وجهًا جديدًا، شبيهًا له… يدق قلبها من جديد… تُشبك أصابعها، تعضّ طرف إبهامها بقلق طفولي، وحين تكتشف أن الظن خاب، تهدأ قليلًا، ثم تعتريها نوبة غضب خافت…
غضب لا يُقال، لكنه يُحس .. رجعت إلى هاتفها تفقّدته .. لا شيء.
نظرت إلى المرآة غرتها مبعثرة، كأنّها انعكاس لما في داخلها .. رمت الهاتف على السرير، ذهبت إلى التسريحة، مشّطت شعرها ببطء، نظرت لعينيها أعجبتها، ابتسمت بخجل، وتخيّلت كيف سيُعجب بها حين يراها هكذا…نظراته التي تعرفها جيدًا…
تلك النظرات التي تذيبها كأنها اعتراف صامت بالحب .. أسرعت إلى النافذة مرة أخرى، كانت قد وعدت نفسها أن تراقب خطواته .. كيف يقترب، كيف يتنفس، كيف ينظر إليها .. هل يشعر مثلها؟ هل يخفق قلبه بذات الطريقة؟ هل يعرف هذا القلق الخفيف الممزوج بالشوق؟ هل يحبها كما تحبه هي؟
ثم .. رأته .. نعم، ها هو .. يقف في الجهة المقابلة، بكامل أناقته، بنفس الوسامة التي تحفظها عن ظهر قلب.
يتلفّت حوله، يبتسم، يفرك كفيه، يُخرج هاتفه ثم يعيده إلى جيبه .. نظرت إلى هاتفها، لم يصلها شيء .. عاد وأخرج هاتفه مجددًا، كتب شيئًا… أعاده.
ابتسمت .. لا بد أنه متردد. مثلي تمامًا .. يتساءل: أيرسل؟ أم لا؟ تفكيره مشوّش… إذًا هو يشعر.
ركضت إلى العطر، نثرت شيئًا منه على عنقها وكفّها، ثم عادت…ما زال هناك.
ينظر يمينًا ويسارًا، يبتسم، يُخرج هاتفه للمرة الثالثة، يكتب، ثم يتوقف .. فجأة… لوّح بيده! نظرت خلفه، بحثت عن من يلوّح له…فرأتها…
امرأة تقف في آخر الشارع، تنظر إليه كما كانت هي تنظر له، بحب ولهفة.
تطبع قبلة على كفّها، وتنفخها نحوه .. وهو؟ يرفع كفّه، يمسك بها، يضعها على صدره، وكأنه يقول: ها قد وصلت .. تستدير وتمشي، بينما هو يظل يراقبها .. حتى تختفي أما هي، من خلف النافذة، فقد رأت كل شيء.
ورأته… كما لم تره من قبل .. لأول مرة، وقفت تنظر إليه ولا تشعر بشيء.
لا لهفة .. لا ألم .. لا حزن .. فارغة تمامًا… كأن كل المشاعر غادرتها بصمت .. رن هاتفها .. نظرت إلى الشاشة ..
هو أجابت .. ما زالت عيناها عليه .. ملامحه لم تعد كما عرفتها .. سألته، بهدوء يشبه النهاية: – نعم؟
– نعم؟ فقط؟ أين أنت؟ تأخرت… اشتقت إليك. – أتُحبنّي؟
– وهل هذا سؤال يُسأل بعد كل هذه السنين؟ – أتحبّني؟
– حبي أفعال، لا أقوال. – حقًا؟
– وهل كذبت عليكِ يومًا؟
لم تُجبه.. كانت فقط تنظر إليه من النافذة .. حبها الذي يحتضر أمامها …لم يسمح لها أن تجرح مشاعره حتى وإن كانت هذه آخر مكالمة بينهما.!
قالت له بصوت هاديء: – كذبك… حلو.
أغلقت الخط ..حظرت رقمه… أغلقت الستارة .. وهمست لنفسها، تردد اغنية ميادة ..
كذبك حلو .. شو حلو لّما كِنت شي كذبة بحياتك .. كذبك حلو .. تذكرني شي مرة، ورجعني ع بالك .. كذبك حلو … حلو …